أرشيف المدونة

احصائيات المدونة

لتصفح افضل

د. محيي حامد
إن صاحب الدعوة وهو يسعى للتعريف بالفكرة الإسلامية والعمل على إرشاد المجتمع إلى تعاليم الإسلام وقيمه وأخلاقه، فإنه على يقين من أنه لا يعمل منفردًا؛ لتحقيق هذه الغاية السامية، وهي إعلاء كلمة الله عزَّ وجلَّ والتمكين لدينه في ربوع العالم، كما أنه يعلم تمام العلم أن الإخوان المسلمين ليست جماعة المسلمين، ولكنها جماعة من المسلمين، وهذا يعني له أن هناك كثيرًا من العاملين؛ لتحقيق نفس الغاية والفكرة الإسلامية، وإن اختلفت الميادين التي تعمل من خلالها لتحقيق ذلك؛ لذلك فقد وجب على صاحب الدعوة أن يكون مبادرًا دائمًا لتوحيد هذه الجهود والطاقات والتنسيق بينها والعمل على جمع كلمتها وتحقيق الأخوة الإسلامية بينها، والعمل على إزالة أسباب الفرقة والاختلاف تحقيقًا لقوله تعالي: ﴿وَلاَ تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا﴾ (الأنفال: من الآية 46)، وقوله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ (المائدة: 2).




إن الإمام المؤسس حسن البنا (رحمه الله) حرص منذ نشأة هذه الدعوة على توحيد الجهود، ونبذ الفرقة والخلافات بين كلِّ العاملين المخلصين لدعوة الإسلام، ولقد حدد- رحمه الله- موقف الإخوان المسلمين من الهيئات الإسلامية بقوله رحمه الله: "أحب كذلك أن أفصح لحضراتكم عن موقف الإخوان المسلمين من الهيئات الإسلامية في مصر، وذلك أن كثيرًا من محبي الخير يتمنون أن تجتمع هذه الهيئات وتتوحد منها جبهة إسلامية ترمي عن قوس واحدة، ذلك أمل كريم وأمنية عزيزة يتمناها كل محب للإصلاح في هذا البلد، والإخوان المسلمون يرون هذه الهيئات على اختلاف ميادينها تعمل لنصرة الإسلام، وهم يتمنون لها جميعًا كل النجاح، ولم يتفهموا أن يجعلوا من منهاجهم التقرب منها، والعمل على جمعها، وتوحيدها حول الفكرة العامة".

وعندما يتأمل صاحب الدعوة هذه الكلمات الواضحة الدقيقة، والتي تحرص على تحقيق الوحدة الإسلامية ونبذ عوامل وأسباب الفرقة والاختلاف- يجد أنها لم تخرج قيد أنملة عن منهج الحبيب محمد- صلى الله عليه وسلم- في توحيد المسلمين ونبذ الفرقة بينهم، وكما أوضحت كتب السيرة المواقف الرائعة في تحقيق الإخاء والنصرة بين المهاجرين والأنصار، فقد أوضحت أيضًا محاولات أهل الكفر والنفاق للنيل من هذه الرابطة، والعمل على إحداث الفرقة بين المسلمين، وكيف عالج الحبيب- صلى الله عليه وسلم- ذلك بمقولته المشهورة "أبدعوى الجاهلية وأنا بين ظهرانيكم"، وبحرصه- صلى الله عليه وسلم- على توجيه المسلمين إلى الأهداف العليا لهذا الدين بإعلاء كلمة الله في الأرض।

وعندما يدقق صاحب الدعوة في الأسباب التي قد تؤدي إلى حدوث الفرقة والاختلاف بين العاملين للإسلام يستشعر عظم المسئولية الملقاة عليه؛ لتحقيق جوانب الوحدة والحب والإخاء بينهم، كما يستشعر أهمية الحرص على الالتزام بالمبادئ والآداب الإسلامية التي تحض على ذلك، ويحرص أيضًا على اتباع القواعد الحاكمة، والضوابط الأساسية التي تمنع حدوث الفرقة والخلاف.

ومن هذه القواعد الحاكمة تلك القاعدة الذهبية التي تحدث عنها الفقهاء والعلماء وردَّدها الإمام حسن البنا رحمه الله- وعمل على تحقيقها عمليًّا: نتعاون فيما اتفقنا فيه، ويعذر بعضنا بعضًا فيما اختلفنا فيه.


ومن أبرز السمات والخصائص لدعوة الإخوان المسلمين ما ذكره الإمام البنا (رحمه الله) في عدة مواضع من الرسائل منها:

- البعد عن مواطن الخلاف: فيقول (رحمه الله): "فأما البعد عن موطن الخلاف الفقهي، فلأن الإخوان يعتقدون أن الخلاف في الفرعيات أمر ضروري لا بد منه، إذ أن أصول الإسلام آيات وأحاديث وأعمال تختلف في فهمها وتصورها العقول والأفهام، لهذا كان الخلاف واقعًا بين الصحابة أنفسهم وما زال كذلك، وسيظل إلى يوم القيامة، وما أحكم الإمام مالكًا- رضي الله عنه-؛ حيث قال لأبي جعفر وقد أراد أن يحمل الناس على "الموطأ": "إن أصحاب رسول الله تفرقوا في الأمصار وعند كل قوم علم، فإذا حملتهم على رأي واحد تكون فتنة"، وليس العيب في الخلاف، ولكن العيب في التعصب للرأي، والحجر على عقول الناس وآرائهم.

وهذه النظرة إلى الأمور الخلافية جمعت القلوب المتفرقة على الفكرة الواحدة، وحسب الناس أن يجتمعوا (على ما يصير به المسلم مسلمًا) كما قال زيد- رضي الله عنه-، وكانت هذه النظرة ضرورية لجماعة يريدون أن ينشروا فكرتهم في بلد لم تهدأ بعد فيه ثائرة الخلاف على أمور لا معنى للجدل ولا للخلاف فيها "رسالة المؤتمر الخامس".
ولقد فقه الإمام البنا- رحمه الله- هذه المسألة منذ نشأة الدعوة وتأسيسها، وكان حريصًا أشد الحرص على عدم الخوض في الخلافات الفقهية في الأمور الفرعية لأسباب عدة أوردها- رحمه الله- في رسالة دعوتنا بقوله: "ونحن مع هذا نعتقد أن الخلاف في فروع الدين أمر لا بد منه ضرورة، ولا يمكن أن نتحد في هذه الفروع والآراء والمذاهب لأسباب عدة:-

1- منها اختلاف العقول في قوة الاستنباط وضعفه، وإدراك الدلائل والجهل بها، والغوص على أعماق المعاني، وارتباط الحقائق بعضها ببعض، والدين آيات وأحاديث ونصوص يفسرها العقل والرأي في حدود اللغة وقوانينها، والناس في ذلك جد متفاوتين فلا بد من خلاف.
2- ومنها سعة العلم وضيقه، وأن هذا بلغه ما لم يبلغ ذاك والآخر شأنه كذلك.
3- ومنها اختلاف البيئات، حتى إن التطبيق ليختلف باختلاف كل بيئة، وإنك لترى الإمام الشافعي- رضي الله عنه- يفتي بالقديم في العراق، ويفتي بالجديد في مصر، وهو في كليهما آخذ بما استبان له وما اتضح عنده لا يعدو أن يتحرى الحق في كليهما.
4- ومنها اختلاف الاطمئنان القلبي إلى الرواية عند المتلقين لها، فبينما تجد هذا الراوي ثقة عند هذا الإمام تطمئن إليه نفسه وتطيب بالأخذ عنه، تراه مجروحًا عند غيره لما علم من حاله.
5- ومنها اختلاف تقدير الدلالات، فهذا يعتبر عمل الناس مُقدمًا على خبر الآحاد مثلاً، وذاك لا يقول معه به، وهكذا.
كل هذه أسباب جعلتنا نعتقد أن الإجماع على أمر واحد في فروع الدين مطلب مستحيل، بل هو يتنافى مع طبيعة الدين نفسه، وإنما يريد الله لهذا الدين أن يبقى ويخلد ويساير العصور، ويماشي الأزمان، وهو لهذا سهل مرن هين لين، لا جمود فيه ولا تشديد، ومن القواعد الحاكمة لتحقيق هذه الوحدة بين العاملين للإسلام ما ذكره الإمام البنا- رحمه الله- في رسالة دعوتنا بقوله: "نعتذر لمخالفينا: نعتقد هذا فنلتمس العذر كل العذر لمَن يخالفوننا في بعض الفرعيات، ونرى أن هذا الخلاف لا يكون أبدًا حائلاً دون ارتباط القلوب وتبادل الحب والتعاون على الخير، وأن يشملنا وإياهم معنى الإسلام السابغ بأفضل حدوده، وأوسع مشتملاته".
ثم يتطرق- رحمه الله- بعد ذلك لعدة أسئلة مهمة وأساسية وتحتاج إلى إجابات واضحة، ومحددة من كل العاملين للإسلام بقوله: "ألسنا مسلمين وهم مسلمون؟ وألسنا نحب أن ننزل على حكم اطمئنان نفوسنا وهم يحبون كذلك؟ أو لسنا مطالبين بأن نحب لإخواننا ما نحب لأنفسنا؟ ففيم الخلاف إذن؟ ولماذا لا يكون رأينا مجالاً للنظر عندهم كرأيهم عندنا؟ ولماذا لا نتفاهم في جوٍّ من الصفاء والحب إذا كان هناك ما يدعو إلى التفاهم؟".
ثم أوضح الإمام البنا- رحمه الله- ما كان عليه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم والسلف الصالح والتابعون رضوان الله عليهم من آداب الاختلاف، بقوله رحمه الله: "هؤلاء أصحاب رسول الله- صلى الله عليه وسلم- كان يخالف بعضهم بعضًا في الإفتاء، فهل أوقع ذلك اختلافًا بينهم في القلوب؟ وهل فرق وحدتهم وفرق رابطتهم؟ اللهم لا، وما حديث صلاة العصر في قريظة ببعيد.
وإذا كان هؤلاء قد اختلفوا وهم أقرب الناس عهدًا بالنبوة، وأعرفهم بقرائن الأحكام، فما بالنا نتناحر في خلافات تائهة لا خطرَ لها؟ وإذا كان الأئمة وهم أعلم الناس بكتاب الله وسنة رسوله قد اختلف بعضهم على بعض، وناظر بعضهم بعضًا، فلما لا يسعنا ما وسعهم؟ وإذا كان الخلاف قد وقع في أشهر المسائل الفرعية وأوضحها كالأذان الذي ينادى به خمس مرات في اليوم الواحد، ووردت به النصوص والآثار، فما بالك في دقائق المسائل التي مرجعها إلى الرأي والاستنباط؟
وثم أمر آخر جدير بالنظر، إن الناس كانوا إذا اختلفوا رجعوا إلى (الخليفة) وشرطه الإمامة، فيقضي بينهم ويرفع كلمة الخلاف، أما الآن فأين الخليفة؟ وإذا كان الأمر كذلك فأولى بالمسلمين أن يبحثوا عن القاضي، ثم يعرضوا قضيتهم عليه، فإن اختلافهم من غير مرجع لا يردهم إلا إلى خلاف آخر.

يعلم الإخوان المسلمون كل هذه الحيثيات، فهم لهذا أوسع الناس صدرًا مع مخالفيهم، ويرون أن مع كل قوم علمًا، وفي كلِّ دعوة حقًّا وباطلاً فهم يتحرون الحق، ويأخذون به، ويحاولون في هوادة ورفق إقناع المخالفين بوجهة نظرهم، فإن اقتنعوا فذاك، وإن لم يقتنعوا فإخوان في الدين، نسأل الله لنا ولهم الهداية.

ثم أجمل الأستاذ البنا- رحمه الله- هذه القواعد في كلمات معدودة بقوله رحمه الله: "ذلك منهاج الإخوان المسلمين أمام مخالفيهم في المسائل الفرعية في دين الله، يمكن أن أجمله لك في أن الإخوان يجيزون الخلاف، ويكرهون التعصب للرأي، ويحاولون الوصول إلى الحق، ويحملون الناس على ذلك بألطف وسائل اللين والحب".

إن صاحب الدعوة بعدما تبين له موقف الإخوان المسلمين من الهيئات الإسلامية الأخرى والقواعد الحاكمة والآداب اللازمة لذلك والمنضبطة بأحكام الإسلام ومنهجه، ينبغي عليه أن يقوم بدوره في تحقيق وحدة العاملين بالحركات الإسلامية، وتوحيد الجهود حول الفكرة الإسلامية؛ ولذا فإن صاحب الدعوة عليه عدة واجبات منها:-
1- الفهم الدقيق والوعي العميق بموقف الإخوان المسلمين وسياستهم في التعامل مع جميع الهيئات والقوى الإسلامية الأخرى.
2- المبادرة والإيجابية في تحقيق رؤية الجماعة على أرض الواقع في الدوائر المحيطة به، وتحديد القواسم المشتركة مع الهيئات والقوى الإسلامية الأخرى.
3- التعاون والتنسيق مع الهيئات الإسلامية والتي لا تنتهج العنف وسيلة لها بآليات ووسائل مناسبة لكل منها، ووفق مقتضيات الحال.
4- الالتزام العملي بالآداب الإسلامية في قضية الاختلاف في الرأي، والعمل على إشاعتها في جميع الدوائر المحيطة.
5- القيام بالواجبات الاجتماعية والإنسانية والأخوية مع جميع الهيئات والقوى الإسلامية الأخرى من منطلق أخوة الدين والعقيدة والعمل للإسلام.
وبعد... فإنه لا بد لصاحب الدعوة من أن يكون هو القدوة والنموذج العملي المؤثر فيمن حوله، وأن يكون عاملاً على توحيد الجهود والطاقات حول الفكرة الإسلامية، حتى وإن أصابه الأذى أو الضرر أو الألم من جراء ذلك، فالأمر ليس بالسهل ولا اليسير ولكن يحتاج لتوفيق الله عزَّ وجلَّ أولًا ثم همة عالية وصبر جميل وأدب جم وإخلاص لله تعالي قبل وأثناء وبعد كل خطوة يخطوها صاحب الدعوة؛ لتحقيق هذا الأمل المنشود، والذي يسعد قلوب أبناء هذه الأمة.
نسأل الله أن يوحد قلوبنا وعقولنا وصفوفنا حول دعوة الإسلام العظيم.. اللهم آمين.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

http://www.egyptwindow.net/Details.aspx?Kind=23&News_ID=743

0 التعليقات:

يـاديـن الســلام بـالبعــد طـالـت لـوعاتــي فـي
عمق الظلام والغربة زادت آهاتي يادين السلام
فأنــاأعـيش كـالـغريـــــب متـأجــج فـي اللهيـب
ومـن ذا يؤنس غربتــي إلا المجــاهـد والشهيـد

قوالب من تصميمي

الخلاصة

translate blog

ابحث في المدونة

القائمة البريدية

My Great Web page