أرشيف المدونة

احصائيات المدونة

لتصفح افضل

في كتابه "عبقرية عمر" تحدث العقاد عن دور الزعامة في إصلاح الأمم وإيقاظها من نومها العميق فقال: "فمن علامات العظمة التي تحيي موات الأمم أن تختص بقدرتين لا تعهدان في غيرها: أولاهما أن تبتعث كوامن الحياة ودوافع العمل في الأمة بأسرها وفي رجالها الصالحين لخدمتها، والأخرى أن تنفذ ببصيرتها إلى أعماق النفوس فتعرف بالبديهة الصائبة والوحي الصادق فيم تكون عظمة العظيم؟ ولأي المواقف يصلح؟ وبأي الأعمال يضطلع؟ ومتى يحين أوانه وتجب ندبته؟ ومتى ينبغي التريث في أمره إلى حين؟".



هذه المعادلة التي أشار إليها العقاد لدور الزعامة والقيادة في إيقاظ الوعي وإصلاح الأمم كان لها نصيب من الصدق والظهور في حياة كثير من المصلحين الذين أنجبهم الشرق وأغفل كثير من الناس ذكرهم.. ومن هؤلاء الداعية العالم المجاهد "محمد محمود الصواف" مؤسس دعوة "الإخوان المسلمين" بالعراق، أول مراقب للجماعة في بلاد الرافدين، والذي كانت حياته سلسلة متصلة من العلم المثمر، والجهاد المشكور داخل العراق وخارجه؛ فحياته تسرد قصة الدعوة والداعية.

نشأة الإخوان العراقيين

كانت السلطة السياسية في العراق على اختلاف مشاربها في حالة فسخ دائم لكل عقد مع الإسلاميين، وكان حوارها معهم يتم من خلال الاعتماد على أدوات القمع التي تحتكرها الدولة. وكان نصيب الإخوان من هذا القمع كبيرًا؛ إذ تلقى الإخوان في العراق الضربات العنيفة في مرحلة التأسيس، ثم في مرحلة إعادة التأسيس. وكان عنف الدولة يعطي أولوية للتصفية التامة والاستئصال؛ وهو ما أدى إلى تقليص مساحة الحركة التي يعمل فيها الإخوان، فقضي على بعضهم بالتصفية الجسدية، أما البقية الناجية فعرفت طريق الهجرة البعيدة؛ بحثا عن الحرية التي وهبها الله للإنسان وغصبتها السلطة.

واستمرت السلطة السياسية بالعراق في توجيه الضربات المتعاقبة للإسلاميين؛ لتأكيد حالة الرعب التي تحول دون انتشار أفكارهم، وتمنع العامة من الاقتراب منهم أو من أفكارهم، فضلا عن التعتيم التام الذي يدفع الشعوب إلى نسيان رجال الدعوات الصادقة الهادفة.

ورغم أن العراق عرف دعوة الإخوان منذ منتصف الأربعينيات ونمت فيه الدعوة بسرعة فإن الضربات التي تلقاها الإخوان في مرحلة التأسيس كانت تهز تنظيمهم بعنف؛ حيث كانت الضربات السلطوية تستهدف الفكرة ورجالها حتى يذوب الإخوان ويصبحوا أثرًا بعد عين، فمنذ الستينيات لم يرد ذكر للإخوان في تاريخ العراق إلا في حوادث متفرقة اتفقت جميعها في شيء واحد وهو ضربهم من قبل السلطة أثناء محاولتهم لملمة صفوفهم.

وعندما ضعفت قبضة النظام العراقي بعد حرب الخليج الثانية وحوصر خارجيا ووهنت قبضته على بعض المناطق في العراق بدأ الإخوان في المهجر في تجميع صفوفهم، وأعلنوا عودة "الحزب الإسلامي العراقي" للحياة بعد أكثر من 30 عاما من التغييب، تحت رئاسة الدكتور أسامة التكريتي. ومثل الحزب وجودهم السياسي والدعوي. وفي مناطق الأكراد تكونت حركة الاتحاد الإسلامي الكردستاني التي تعبر عن أفكار الإخوان المسلمين عام (1994م) بقيادة صلاح الدين محمد بهاء الدين، والتي تعد التنظيم الثالث في منطقة كردستان بعد حزبي جلال طالباني ومسعود بارزاني، ولها مقعد وزاري في حكومة أربيل بشمال العراق.

ومع زوال نظام صدام حسين بعد الاحتلال الأمريكي للعراق عاد الإخوان المسلمون للعمل في العراق تحت اسم الحزب الإسلامي العراقي. ويعد العمل الاجتماعي هو ميدانهم الأول في العراق بعد عودتهم؛ في محاولة لاحتضان الناس وتقديم الخدمات لهم والتخفيف عنهم.

الصواف.. نشأة متميزة

ولد الشيخ محمد محمود الصواف بالموصل في(12 أغسطس 1914م) في أسرة عُرفت بالصلاح، وتعمل بالزراعة والتجارة، وتلقى في صغره تعليمًا في المدارس التابعة للمساجد حيث حفظ القرآن الكريم في سن مبكرة، ثم تلقى مبادئ اللغة والشريعة بحيث تأهل ليلتحق بالمدرسة الفيصلية التي أنشاها العالم الجليل "عبد الله النعمة" المعروف بعلمه وأدبه الراقي، والذي كان له بصمة واضحة في شخصية الصواف.

تعمقت المسحة الروحانية التي تميز بها الصواف منذ الصغر عندما التقى بشيخ الموصل وإمامها الأكبر الشيخ محمد الرضواني؛ فكان يلازمه لسنوات في صلاة الفجر، ويمكث معه في ذكر متواصل حتى تشرق الشمس، ثم ينصرف معه لتحصيل العلم.

وقد خلق هذا الجو الذي نشأ فيه الصواف نقاء وصفاء في نفسه، وكان وقودا لحركته في الحياة؛ إذ تحمل تبعات جساما في حياته لا يطيقها إلا من له روح كبيرة تمتد أجنحتها لتضم الجميع في ظلالها.

وعندما تخرج في المدرسة الفيصلية عام (1355هـ=1936م) عمل معلما في بعض المدارس الابتدائية ثم الثانوية، إلا أن روحه وعقله كانا أكبر من أن ينحصرا في إطار المدرسة الضيق؛ ولذلك استقال من عمله، وقصد القاهرة وقلعتها العلمية الأزهر الشريف، والتحق بكلية الشريعة (1363 هـ= 1943م) وهو في الثلاثين من عمره.

في القاهرة.. العلم والدعوة

أقبل الصواف في القاهر على العلم إقبالا منقطع النظير، ساعده على ذلك قدراته العقلية ونبوغه، فاستطاع أن يختصر سنوات الدارسة إلى النصف، وأن يحصل على شهادة العالمية، ثم تخصص في القضاء في 3 سنوات بدلا من 6 سنوات. وطيرت الصحف خبر نبوغه فكان مضرب المثل في الاجتهاد في تلك الفترة، وأثنى عليه الإمام المراغي شيخ الأزهر ثناء عاطرا، وقال له: يا ولدي لقد فعلت ما يشبه المعجزة.

كانت القاهرة في تلك الفترة عاصمة حية تموج بالأفكار والتيارات السياسية المختلفة، وكان الوافد إليها يجد بغيته من المناهل الثقافية والفكرية المتعددة، وكان النبوغ جزءًا من سمات ذلك العصر، وكان اعتناق الأفكار والمبادئ بدرجة من المثالية والنقاء سمة غالبة في أبناء هذا الجيل. وكانت دعوة الإخوان المسلمين من أبرز الدعوات الرائجة في الساحة المصرية آنذاك، واستطاعت أن تجذب إليها صفوة من شباب مصر والعالم الإسلامي، ومنهم الصواف الذي ساهم في تأسيس قسم الاتصال بالعالم الإسلامي في هذه الجماعة.

العودة وتأسيس إخوان العراق

عاد الصواف إلى العراق محملا بالعلم الأزهري وفكر وروح الإخوان المسلمين، ورأى أن يبدأ غرس بذور الدعوة من خلال العمل الشعبي في المساجد والجمعيات والخطابة والتدريس.

امتلك الصواف قدرة فائقة على اكتشاف الرجال والتنقيب عن مواهبهم المطمورة وتجليتها للناس. وتجلت تلك الموهبة في اجتذابه علامة العراق الكبير الشيخ أمجد الزهاوى إلى دعوة الإخوان، وكان الزهاوى قاضيا كبيرا وعالما فحلاً بالموصل، فاستطاع الصواف أن ينقله من حياته السابقة التي بلغت الغاية في العزلة بسبب القضاء والعلم إلى الغاية في الاختلاط رغم أنه بلغ في تلك الفترة سن المعاش. وتحدث عن هذه الموهبة الفريدة للصواف الشيخ علي الطنطاوي في كتابه "رجال من التاريخ"، فقال: "كان الشيخ أمجد كنزا مخبوءا فكشفه الصواف، كان كتابا عظيما مخطوطا لا يعرفه الناس فطبعه الصواف ونشره".

اشتغل الصواف مدرسا بكلية الشريعة في مدينة الأعظمية مفضلا التعليم على القضاء، وأنشأ جمعية الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، ثم أسس مع الشيخ أمجد جمعية "الأخوة الإسلامية" سنة ( يناير 1948) التي كانت الاسم الذي تحرك تحته الإخوان في العراق، وأصدر مجلة "الأخوة الإسلامية" التي ظلت تصدر لمدة عامين حتى أغلقتها حكومة "نوري السعيد" في العهد الملكي، وألغت الجمعية.

وأثار توقيع حكومة العراق لمعاهدة "بورتسموث" مع الإنجليز في (4 من ربيع الأول 1367هـ= 15 من يناير 1948م) غضبا شعبيا كبيرا، وتصدر الصواف بخطبه النارية حملة المعارضة فتعرض للسجن، وفصل من العمل.

فلسطين القضية والجهاد

كان الصواف عالما مجاهدا، فقد وهبه الله البسطة في العلم والجسم، واحتلت فلسطين صدارة جهاده؛ فعندما دخلت الجيوش العربية فلسطين وتم إعلان قيام إسرائيل في (7 من رجب 1367هـ= 15 من مايو 1948م) كان الصواف وإخوان العراق في طليعة المجاهدين بفلسطين؛ فقد خرج على رأس مجموعة من الإخوان العراقيين إلى فلسطين بعدما جهز 3 أفواج بكامل عتادها وسلاحها، وكان يقول: "إن معركة فلسطين هي امتداد لمعارك صلاح الدين بالأمس"، وقد دون قصة هذا الجهاد في كتابه "الإسلام بين الأمس واليوم".

وعندما انتهت حرب 1948 بين العرب واليهود وقامت إسرائيل لم يتوقف جهاد الصواف في نصرة قضية فلسطين، بل خاض جهادًا آخر في ميدان الوعي والثقافة؛ فأسس جمعية "إنقاذ فلسطين" مع طائفة من فضلاء المسلمين، وقد عملت الجمعية على جمع التبرعات وشرح القضية، وإظهار أن هذه القضية هي قضية جميع المسلمين. وعقدت الجمعية في عام 1373هـ= 1953م مؤتمر القدس الذي حضره لفيف من العلماء. وانتدب المؤتمر الصواف والزهاوي وعلي الطنطاوي للطواف بالعالم الإسلامي لشرح أبعاد القضية الفلسطينية.

الصراع مع الشيوعيين

كانت الأوضاع السياسية بالعراق في الستينيات تنبئ باقتراب حدوث تغيير سياسي كبير، وكانت إرهاصات حدوث انقلاب عسكري تتزايد، حتى وقع ذلك الانقلاب في (27 من ذي الحجة 1377هـ= 14 من يوليو 1958م) بقيادة عبد الكريم قاسم، وألغيت الملكية وأعلن قيام الجمهورية العراقية. وقد استقبلت الأوساط السياسية والشعبية هذا الانقلاب بابتهاج شديد سرعان ما تبدد مع صعود الشيوعيين ومحاولتهم الاقتراب من عبد الكريم قاسم الذي رحب بهم في البداية لعدم وجود قاعدة سياسية أو حزبية يتكئ عليها في ممارسة الحكم، إضافة إلى صراعه مع الضباط الوحدويين مثل عبد السلام عارف.

أدى اقتراب قاسم من الشيوعيين إلى احتقانات سياسية عسكرية كبيرة استغل بعضها أحد قادة الجيش وهو "عبد الوهاب الشواف" للقيام بحركة انقلاب مضادة في الموصل، ساندته فيها القوى المختلفة الرافضة للشيوعية، غير أن فشل الحركة تسبب في حدوث مجازر قام بها الشيوعيون، وأشيع أن الصواف قد قُتل ونعته بعض الإذاعات العربية، غير أن الرجل كان قد اختفى فترة، ثم رحل إلى الشام سرا عام (1379هـ= 1959م).

كان الشيخ الصواف قد أصدر مجلة "لواء الأخوة الإسلامية" التي وجهت انتقادات حادة للشيوعيين، وعندما ضاقوا بالنقد هاجموا المجلة وأحرقوا مكتبها ومطبعتها بعد 7 أعداد فقط من الصدور.

وكانت الحركة الإسلامية السنية والشيعية تنتقد نظام حكم عبد الكريم قاسم؛ بسبب صعود الشيوعيين، وانتقاص الحزب الشيوعي العراقي للإسلام عقيدة وشريعة، وصدور قانون الأحوال الشخصية رقم 188 لسنة 1959 الذي ألغى كل القوانين الإسلامية المتعلقة بقضايا الأحوال الشخصية، ومنع تعدد الزوجات، وأعطى المرأة حق الطلاق والمساواة في الإرث مع الرجل؛ فوقف الإخوان لهذا القانون بالمرصاد، خاصة بعد أن أصبح لهم وجود سياسي بعد حصولهم على حكم قضائي بإنشاء حزب، وتم لهم ذلك في (ذي القعدة 1379هـ= إبريل 1960) وترأسه نعمان السامرائي الذي أصدر جريدة "الفيحاء"، وكان نقد الإخوان شديدًا للشيوعيين، وكان لهم دور بارز في إحباط المشروع الشيوعي في العراق؛ لهذا سحبت وزارة الداخلية ترخيص الحزب بعد عدة شهور من قيامه في (23 من ربيع الآخر 1380هـ= 15 أكتوبر 1960م).

كان العراق في تلك الفترة من سطوة الشيوعيين وما تلاها من صعود حزب البعث إلى السلطة سجنا كبيرا يضيق بالأحرار من الرجال؛ لذا قصد الصواف الشام بحثا عن الحرية فقضى بها بضعة أشهر، ثم ما لبث أن اتجه صوب السعودية فأكرم ملكها المغفور له "فيصل بن عبد العزيز" وفادته، وعرف له قدره ومكانته؛ فاختاره مبعوثا خاصا له إلى الملوك والرؤساء، فطاف الصواف 35 دولة غالبيتها من الدول الأفريقية، وساهم بجهود كبيرة في إنشاء منظمة المؤتمر الإسلامي، وسجل رحلاته في كتاب "رحلاتي إلى الديار الإسلامية"، واختير عضوا بالمجلس التأسيسي لرابطة العالم الإسلامي، وعضوا في المجلس الأعلى للمساجد، والمجمع الفقهي برابطة العالم الإسلامي. وكان له دور مشهود في خدمة ودعم الجهاد الأفغاني ورأب الصدوع بين قادة الجهاد الذين كانوا يقتتلون بين الحين والآخر.

المؤلفات والوفاة

لم تشغل الدعوة ولا الجهاد والرحلات إلى البلاد الإسلامية الصواف عن التأليف؛ فأخرج عددا من الكتب حقق بعضها نسبة توزيع عالية وتم ترجمته إلى عدة لغات، ومن أهم كتبه "المخططات الاستعمارية لمكافحة الإسلام" و"أثر الذنوب في هدم الأمم والشعوب"، و"معركة الإسلام بين الأمس واليوم"، و"من سجل ذكرياتي"، و"بين الرعاة والدعاة"، و"نداء الإسلام"، و"تعليم الصلاة"، و"صفحات من تاريخ الدعوة الإسلامية في العراق"، و"العلامة المجاهد أمجد الزهاوي شيخ علماء العراق المعاصرين"، و"عدة المسلمين في معاني الفاتحة وقصار السور من كتاب رب العالمين".

وقد توفي الشيخ الصواف رحمه الله تعالى يوم الجمعة الموافق (13 من ربيع الآخر سنة 1413هـ= 11 من أكتوبر 1992م) في مطار إستانبول؛ حيث كان ينتظر الطائرة التي ستقله إلى مكة المكرمة، وقد نقل جثمانه ودفن في مقابر المعلاة بمكة بجوار قبر الصحابي الجليل عبد الله بن الزبير رضي الله عنه.

http://www.egyptwindow.net/web_Details.aspx?Kind=15&News_ID=319

0 التعليقات:

يـاديـن الســلام بـالبعــد طـالـت لـوعاتــي فـي
عمق الظلام والغربة زادت آهاتي يادين السلام
فأنــاأعـيش كـالـغريـــــب متـأجــج فـي اللهيـب
ومـن ذا يؤنس غربتــي إلا المجــاهـد والشهيـد

قوالب من تصميمي

الخلاصة

translate blog

ابحث في المدونة

القائمة البريدية

My Great Web page